علي الهجويري

209

كشف المحجوب

تحفظنى بالحالة التي ترضاها عندما يحصل القضاء ، حتى يجعلني التسليم راضيا بكل ما أرسلته إلى . هنا يثبت جليا أن الرضى أرقى من التسليم ، لأنه إذا كان سابقا له لزم أن يكون فرعا منه وذلك ليس هو حقيقة الرضا كما أنه لا يصح - قال أبو العباس ابن عطاء : « الرضا نظر القلب إلى قديم اختيار اللّه للعبد » يعنى : أنه كلما نزل به ما يعتقد أنه إرادة اللّه السابقة ، وقضاؤه الأزلي لا يحزن لذلك ولكنه يقبله بانشراح ، قال الحارث المحاسبي صاحب مذهب الرضا : « الرضا : هو سكون القلب تحت مجارى الأحكام » وهذا هو المذهب الصحيح ، لأن سكون القلب وطمأنينته ، ليست بحول الإنسان وقوته ، ولكنها من نعم اللّه . وفي الدلائل التي يثبتون بها أن الرضا هو حال وليس بمقام ، ذكرهم حكاية عتبة الغلام الذي لم ينم ذات ليلة وكان يقول فيها : « إن تعذبني فأنا لك محب ، وإن ترحمني فأنا لك محب » لأن ألم العذاب ، ولذة النعمة لا يشعر بهما إلا الجسم ، بينما اضطراب يا لمحبة لا يسكن إلا في القلب ، الذي لا يتأذى بها . وهذا يؤيد مذهب المحاسبي ، لأن الرضا هو نتيجة المحبة كما أن المحب يرضى بما قدره محبوبه . قال أبو عثمان الحيري : « منذ أربعين سنة ما أقامني اللّه في حال فكرهته ، وما نقلنى إلى غيره فسخطته » يدلك هذا على دوام الرضا ، وكمال المحبة . وإن قصة الدرويش الذي سقط في دجلة مشهورة حيث أنه لما رآه الرجل من الشاطئ يحاول السباحة ولا يقدر عليها ، قال له : « هل أحضر لك من ينجيك ؟ » فقال له : الرجل : « لا » فسأله الرجل : « إذن هل تريد الغرق ؟ فأجابه « لا » فسأله : إذا ما تريد ؟ فقال له الدرويش : أريد ما أراده اللّه ، ما الذي استفيده بالتدبير ؟ . وقد تكلم شيوخ الصوفية كلاما كثيرا عن الرضا . وأقوالهم تختلف في ظاهر العبارة ولكنها تتحد في أصل المبدأين اللذين بينتهما لك . واقتصر على هذا .